الشيخ الطوسي
560
التبيان في تفسير القرآن
فيها تمنعهم من عذاب الله وإنزاله بهم على يد نبيه ، فجعل تعالى امتناعهم من رسوله امتناعا منه . وقوله تعالى " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " أي اتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا مجيئه منه " وقذف " أي ألقى " في قلوبهم الرعب " وهو الخوف " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين " معناه إنهم كانوا يهدمون بيوتهم بأيديهم من داخل ليهربوا ويخرب المؤمنون من خارج - على ما ذكره الحسن - ثم قال تعالى " فاعتبروا يا أولي الابصار " معناه اتعظوا وفكروا فلا تفعلوا كما فعل هؤلاء فيحل بكم ما حل بهم . والحصون جمع حصن ، وهو البناء العالي المنيع ، يقال : تحصن فلان إذا امتنع بدخوله الحصن . ومن استدل بهذه الآية على صحة القياس في الشريعة فقد أبعد . لأن الاعتبار ليس من القياس في شئ ، وإنما معناه الاتعاظ على ما بيناه ، ولا يليق بهذا الموضع قياس في الشرع ، لأنه لو قال بعد قوله " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين " فقيسوا الأرز على الحنطة ، لما كان كلاما صحيحا ولا يليق بما تقدم . وإنما يليق بما تقدم الاتعاظ والانزجار عن مثل افعال القوم من الكفر بالله . وقوله تعالى " ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء " معناه لولا أن الله كتب في اللوح المحفوظ بما سبق في علمه انهم يجلون عن ديارهم يعني اليهود ( لعذبهم في الدنيا ) بعذاب الاستئصال . والجلاء الانتقال عن الديار والأوطان البلاء . وقيل : هو الفرار عن الأوطان يقال : جلا القوم عن منازلهم جلاء ، وأجليتهم إجلاء . ثم قال ( ولهم في الآخرة ) مع الجلاء عن الأوطان في الدنيا ( عذاب النار ) يعذبون بها . ثم بين لم فعل بهم ذلك فقال ( ذلك ) أي فعلنا بهم ذلك ( بأنهم شاقوا الله ورسوله ) وخالفوهما وعصوهما . ثم توعد من يسلك مسلكهم في المشاقة لله